Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
ملحمة الصبر أيوب و زوجته
Kawther Akkeri - كوثر العكاريأنا أيوب...
ذاك الذي عرف الله في ليلِ الألم الطويل،
ذاك الذي نادى، لا ليُرفع عنه البلاء،
بل ليبقى قريبًا من اليدِ التي تمتحنه.
كنتُ رجلًا تُحيط بي النِّعمُ كما يحيط الضوءُ بالنهار،
لي زوجةٌ كالنور، وأبناءٌ كزهرٍ في الربيع،
وكان الحمدُ رفيقي في الرخاء.
ثم شاءَ الله أن يعلّمني:
أن الشكرَ لا يُختبرُ بالنعم فحسب،
بل بالفقد.
ذاك الذي عرف الله في ليلِ الألم الطويل،
ذاك الذي نادى، لا ليُرفع عنه البلاء،
بل ليبقى قريبًا من اليدِ التي تمتحنه.
كنتُ رجلًا تُحيط بي النِّعمُ كما يحيط الضوءُ بالنهار،
لي زوجةٌ كالنور، وأبناءٌ كزهرٍ في الربيع،
وكان الحمدُ رفيقي في الرخاء.
ثم شاءَ الله أن يعلّمني:
أن الشكرَ لا يُختبرُ بالنعم فحسب،
بل بالفقد.
فجاء البلاء...
وجاء وجهُ الله فيه، بالجلال.
سُلب المال، ومات الأبناء،
وبقيتُ أنا... جسدًا ينهشه الوجع،
وروحًا تُصلّي في العراء.
ابتعد الناس،
ولم تبقَ غيرها،
زوجتي، امرأةٌ من صبرٍ ولطفٍ ودمعٍ صامت.
كانت تمسح جبيني بيدٍ ترتجف،
فأقول لها: لا تبكي،
إنما هو امتحانُ الحبيبِ لحبيبه.
كنتُ أقول لربي في سرّي:
يا ربّ، هذا جسدٌ أوجعتَه،
لكن قلبي ما زال عامرًا بك،
فلا تجعل فيه سواك.
وكلما نادى فيّ الوجعُ: إلى متى؟
ناديتُ في قلبي: حتى يرضى الله.
حتى إذا جاء الفجر بعد طول العتمة،
نادى الرحمن: "اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب."
فانفجرت الأرضُ بالماء،
وغسلتني الحياةُ من رمادها.
عاد اللحم إلى العظم،
وعاد النورُ إلى الوجه،
وعاد أولادي إليّ،
لكنني كنتُ قد تغيّرت...
صرتُ أيوبَ الذي فهم:
أن الصبر ليس احتمالًا،
بل يقينٌ بأن كل وجعٍ يحمل في جوفه شفاء،
وأن من عرف الله في البلاء،
لن يضيع في الرخاء.
***
أنا زوجةُ أيوب...
المرأةُ التي رأت الجبال تسقط ولم يسقط قلبُها،
التي لم تنكسر حين انكسر كلُّ شيء،
لأنها أمسكت بالله قبل أن تمسك بيده.
كنتُ أراهُ في النعمة،
وجهه كالشمس، وصوته حمدٌ لا ينقطع،
ثم رأيتُه في البلاء،
نفس الوجه... لكنّه يشعُّ نورًا من الألم.
مات أولادُنا، وضاع المال،
وتهدّمت البيوت،
وبقيتُ أنا وهو أمام الله وحدنا.
كنتُ أغسلُ جراحه،
وأجمع فتاتَ الأيامِ لأصنع له طعامًا قليلًا،
وأقول: الحمدُ لله على البقاء.
كثيرونَ قالوا: اتركيه، لقد هلك.
لكن قلبي كان يجيبهم:
كيف أترك رجلاً يرى في الدود رزقًا من الله؟
رأيتهُ يبتسمُ في أوجِ الألم،
ففهمتُ أن هناك عبادةً لا تؤدّى إلا في الوجع.
كنتُ أتعلمُ منه الصبرَ كما تتعلّم الأرضُ من المطر.
وذاتَ فجرٍ، رأيتُ المعجزةَ تولد من التراب،
حين ناداه الله،
وانفجر الماءُ من تحت قدميه.
رأيتهُ يقوم...
نورُ الشباب يعودُ إليه،
وبكيتُ لأنني رأيتُ بيديَّ وجهَ الفرج،
ورأيتُ الله يُعيد ما ظننّاهُ لا يعود.
لكنّ النعمةَ الكبرى لم تكن في الرجوع،
بل في الفهم:
أن الصبرَ حبّ،
وأن الحبَّ عبادة.
أنا زوجةُ أيوب...
تعلّمتُ أن الصبرَ ليس صمتًا،
بل يقينًا يهمس:
«ما دام الله هنا، فلا شيء يُفقد حقًا».
وأن المرأة التي تصبرُ مع زوجها في ظلمةِ البلاء،
تُكتبُ في السماء رفيقةً في الجنة كما كانت في الأرض.
***
نحن أيوب وزوجه،
شهدنا البلاء حتى آخر الدمع،
ثم شهدنا النورَ وهو يخرجُ من رحمِ الألم.
علّمنا الله أن الصبرَ ليس في الصمت ،
بل أن تتيقن من الفرج في شدة الكرب .
وأن الدعاءَ لا يُقالُ لتُرفعَ الأحزان،
بل لتُرى الحكمة.
كلّ وجعٍ طريق،
وكلّ طريقٍ إلى الله رحيمٌ وإن كان موحشًا.
ومن أحبّ الله في البلاء،
أحبَّه الله في الفرج.
الحمدُ لله على ما أعطى،
والحمدُ لله على ما أخذ،
والحمدُ لله على ما أبقى.
(صمتٌ طويل... موسيقى هادئة تتلاشى كأنها تذوب في السكون،
ثم يُسمع صوتٌ خافت:)
"سلامٌ على أيوب، في صبره ورضاه،
وسلامٌ على كلّ قلبٍ تعلّم أن البلاءَ طريقٌ إلى الله."
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
