Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
فلا اقسم بمواقعِ النجوم
Kawther Akkeri -كوثر العكاريحين يرفع الإنسان بصره إلى السماء في ليلة صافية، يرى النجوم تلمع كحبات من الضوء المعلق فوقه، فيشعر كأنها قريبة يمكن لمسها. ولكن الحقيقة أن تلك النقاط اللامعة أبعد مما يمكن لعقلنا أن يتصور. إن كل نجم من تلك النجوم يبعد عن الأرض مسافات خيالية، تُقاس بالسنوات الضوئية، أي بالمسافة التي يقطعها الضوء في سنة واحدة بسرعة تبلغ نحو 300 ألف كيلومتر في الثانية. ولتخيل ذلك، فإن الضوء يستطيع أن يلف حول كوكب الأرض أكثر من سبع مرات في ثانية واحدة، ومع ذلك يحتاج سنوات كاملة ليصلنا من أقرب نجم بعد الشمس.
أقرب هذه النجوم إلينا يسمى بروكسيما سنتوري، ويقع على بعد أكثر من أربع سنوات ضوئية، أي ما يعادل حوالي 40 تريليون كيلومتر. هذا يعني أننا عندما ننظر إليه الليلة، فإننا في الحقيقة نرى ضوءه الذي انطلق منذ أكثر من أربع سنوات، وكأننا نطل على الماضي بعين الحاضر. أما النجوم البعيدة الأخرى، فقد يكون الضوء الذي نراه الآن منها قد خرج قبل آلاف أو ملايين السنين، وربما لم تعد موجودة أصلًا، لكن ضوءها لا يزال يسافر نحونا في هذا الفضاء الواسع.
ولعل هذا المعنى العجيب هو ما يشير إليه قول الله تعالى في كتابه الكريم:
( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ - وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) [الواقعة: 75–76].
فمواقع النجوم ليست مجرد نقاط في السماء، بل هي أماكن حقيقية بعيدة للغاية، تتبدل مواقعها مع الزمن، وتفصل بينها مسافات لا يمكن للبشر الوصول إليها بسهولة. إن الله أقسم بها لعِظَم خلقها وبُعد
مداها، ولأنها تذكير بقدرة الخالق وعظمة الكون الذي نعيش فيه.
العلماء اليوم يستخدمون أدوات دقيقة وأقمارًا صناعية مثل بعثة “غايا” التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، التي ترسم خريطة للسماء وتقيس المسافات بين مليارات النجوم بدقة مذهلة. ومن خلال هذه القياسات، تبيّن أن مجرتنا “درب التبانة” وحدها تحتوي على ما يزيد عن مئة مليار نجم، وأن بين بعضها مسافات تمتد إلى آلاف وملايين السنوات الضوئية. هذه الأرقام لا تُظهر فقط حجم الكون المادي، بل تفتح أمام الإنسان باب التأمل في عظمة الخلق واتساع هذا الفضاء الذي لا حدّ له.
إن النجوم التي نراها تلمع في السماء ما هي إلا رسائل من الماضي البعيد، تسافر عبر الزمان والمكان لتصل إلى أعيننا، فتذكرنا بأننا نعيش على كوكب صغير جدًا في بحر كوني هائل. ومع كل نظرة إلى السماء، ندرك أن ما أقسم الله به حقٌّ، وأنه قسم “لو نعلم عِظَمه حقًا” لارتجف القلب خشوعًا أمام عظمة الخالق الذي نظم مواقع تلك النجوم بدقة لا تُدركها إلا العقول المتفكرة.
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
