Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
شر متلفع
Kawther Akkeri - كوثر العكاريالمُفزع ليس في الشرّ حين يأتي عاريًا، مكشوف الوجه، واضح النيّة؛ فذلك شرٌّ يُقاوَم.
المُفزع حقًّا أن يأتي الشرّ متلفّعًا برداء النيّة الحسنة، متزيّنًا بلغة الصلاح، متكئًا على منطقٍ يُقنع صاحبه قبل أن يخدع غيره.
إخوة يوسف عليه السلام لم يروا أنفسهم قتلة، بل رأوا أنفسهم مُصلحين. لم يقولوا: نريد الشر، بل قالوا:
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾
ثم أضافوا الوهم الأخطر:
﴿وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
المُفزع حقًّا أن يأتي الشرّ متلفّعًا برداء النيّة الحسنة، متزيّنًا بلغة الصلاح، متكئًا على منطقٍ يُقنع صاحبه قبل أن يخدع غيره.
إخوة يوسف عليه السلام لم يروا أنفسهم قتلة، بل رأوا أنفسهم مُصلحين. لم يقولوا: نريد الشر، بل قالوا:
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾
ثم أضافوا الوهم الأخطر:
﴿وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾.
كأنهم قالوا: لنقترف الخطيئة الآن، كي نبلغ الفضيلة لاحقًا.
كأن الدم يمكن أن يكون جسرًا إلى الطهر،
وكأن الظلم مرحلة انتقالية نحو الصلاح.
هنا تكمن هاوية الضلال.
فالشرّ الصريح يعرف أنه شرّ، ويعرف صاحبه أنه اختار الظلمة عن وعي،
أما الضلال، فهو شرٌّ لا يرى نفسه شرًّا،
هو انحرافٌ فقد البوصلة، لا يرى الاتجاه إلا مقلوبًا،
يمشي إلى الهاوية وهو يظنّها قمّة.
لهذا كان الضلال أفتك من الشرّ المجرد؛
لأن الشرير قد يتوب حين يعترف بذنبه،
أما الضالّ فيستعصي عليه الرجوع، لأنه يظنّ أنه لم يخطئ أصلًا.
ومن هنا نفهم سرّ ارتعاش الدعاء في الفاتحة:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾
فالضلال ليس مجرّد خطأ في الطريق،
بل خطأ في الرؤية، في المعايير، في تعريف الخير والشر.
وقد لخّص القرآن هذه المأساة الوجودية في سؤالٍ يهزّ الوعي:
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾
ليس الذين لم يعملوا،
بل الذين عملوا كثيرًا… في الاتجاه الخاطئ،
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
ثم كانت الفاجعة الكبرى:
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾.
الخسارة هنا ليست في النتيجة فقط،
بل في الاطمئنان الكاذب،
في راحة الضمير التي تُولد من ضميرٍ معطوب،
في يقينٍ لم يمرّ على ميزان الحق،
ولا انحنى لحظةً أمام سؤال:
هل ما أفعله خيرٌ حقًّا… أم خيرٌ كما أريده أنا؟
تلك هي أخطر المزالق:
أن يتحوّل الشرّ إلى مشروع،
والهوى إلى قناعة،
والضلال إلى رسالة.
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
