Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

رسالتي إلى كل مريض 2

alone-paper-letterKawther Akkeri  - كوثر العكاري

في لحظةٍ ما من عمر الإنسان، يتهشّم وهم السيطرة.
يستيقظ في صباحٍ عاديٍّ، لكنه ليس كأي صباح، ليكتشف أن جسده لم يعد كما كان، وأن شيئًا ما في داخله قد انكسر، أو لعلّه لم ينكسر بل تكشّف.
فالمَرَض لا يأتي من فراغ، إنه رسالة مكتوبة بلغةٍ لا تُقرأ بالحواس، بل تُفهم بالروح.
يأخذ منك بعض قوتك ليمنحك بصيرة جديدة، يسلبك اندفاعك ليهديك سكونًا كنت تبحث عنه دون أن تدري، ويعرّيك من مظاهر الحياة لتراك كما أنت: إنسانٌ ضعيفٌ لكنه واعٍ، محدودٌ لكنه عميق، مريضٌ بالجسد، لكنه سليم القلب.
في البداية نحارب، نغضب، نرفض، نصرخ في وجه القدر: "لماذا أنا؟" 

لكن مع مرور الوقت، نكتشف أن السؤال لا يُجيبنا، وأن الرفض لا يشفي، وأن الألم لا يزول بالعداوة.
فيتعلم القلب درسًا بليغًا: أن القبول ليس استسلامًا، بل حكمة الوعي حين يعجز الفهم.
كما قال الباحث الأمريكي جون كابات زين: "لا يمكنك إيقاف الموجة، لكن يمكنك أن تتعلم كيف تركبها."
وهكذا يتعلّم الإنسان أن يتمايل مع الحياة لا ضدها، أن يحتضن ما لا يمكن تغييره، وأن يرى في المرض معلمًا لا سجنًا، وفي العجز طريقًا لا نهاية.
ومن منظور الإيمان، لا يُنظر إلى المرض كعقوبة بل كرسالة رحمة خفية.
قال النبي ﷺ: “ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه.”
إن الله لا يبتلي عبده ليعذّبه، بل ليطهّره من غبار الغفلة، وليذكّره أن في الضعف جمالًا وفي الانكسار صفاء.
المرض لا يُنقص من قدرك عند الله، بل قد يرفعك به، لأنك حين تُبتلى تُجبَر على الالتفات إلى الداخل، إلى منبع المعنى، إلى الله الذي كان قريبًا منك دائمًا ولكنك لم تكن تشعر بقربه.
حين تسكن الحركة في الجسد، تتحرك الروح، وحين تنطفئ الأضواء حولك، يسطع النور من داخلك.
وفي اللغة الصوفية، المرض ليس نقمة، بل باب من أبواب الفهم.
قال ابن عطاء الله السكندري: “ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك.”
فالمنع، في نظر العارف، ليس فقرًا، بل صورة أخرى من العطاء.
وما المرض إلا وجهٌ خفيّ من وجوه العناية الإلهية، فالله حين يريد أن يقرّبك منه، قد يسلبك كل ما يشغلك عنه.
يقول الرومي: “الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور.”
وحقًّا، ما من جرح إلا وفيه بصيرة تنتظر أن تُكتشف، وما من ألمٍ إلا وفيه سرّ معرفة.
حين يضعف الجسد، تُتاح لك فرصة أن ترى نفسك خارج الجسد، أن تدرك أنك لست هذا اللحم والعظم، بل أنت الوعي الذي يراقب، والروح التي تصبر، والقلب الذي يحب رغم الألم.
ومن البعد الفلسفي، يدعونا المرض إلى مواجهة سؤال المعنى: لماذا نحيا؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش حتى حين يتآكل الجسد؟
يقول فريدريك نيتشه: “ما لا يقتلني يجعلني أقوى.”
لكن القوة التي يقصدها ليست صلابة الجسد، بل عمق البصيرة.
إنها تلك القوة التي تنشأ من قبول الإنسان لمحدوديته، من نظرته للحياة لا كحلبة نصرٍ وهزيمة، بل كرحلة تعلمٍ واكتشاف.
ويقول فيكتور فرانكل، الطبيب والفيلسوف الذي عاش جحيم المعتقلات: “كل من له سبب يعيش من أجله، يمكنه أن يتحمل أي كيف.”
فالمعاناة تصبح محتملة حين تكتسب معنى.
حين تفهم أنك لست مجرد جسدٍ عليل، بل كائن قادر على تحويل الألم إلى معرفة، واليأس إلى وعي.
وهنا يلتقي العلم بالتصوف في نقطةٍ واحدة: القبول.
يقول علماء النفس إن قبول المرض بوعي يقلل من الألم النفسي والجسدي، ويُعيد للإنسان إحساسه بالسيطرة الداخلية.
ويقول أهل الله إن الرضا هو باب السكينة، وأن من رضي وصل، ومن سخط ظل في التيه.
كلاهما يتحدث عن الفكرة نفسها بلغةٍ مختلفة: أن الراحة لا تأتي من زوال الألم، بل من المصالحة معه.
أن الشفاء الحقيقي لا يحدث في الجسد فحسب، بل في القلب الذي يتوقف عن المقاومة، ويقول لله: “رضيت.”
ورابعة العدوية كانت تدعو ربها بصدقٍ لا يُوصف فتقول: “اللهم إن كنت قد حرمتني لذة العافية، فلا تحرمني لذة الرضا.”
تلك هي ذروة الفهم الإنساني: أن تدرك أن المعاناة لا تُلغى، لكنها تُروّض بالحب والرضا.
فما العافية إلا سكون الجسد، أما الرضا فهو عافية الروح.
المرض، مهما كان، لا يختصر الإنسان.
هو فصل من كتاب الحياة، لكنه ليس الكتاب كله.
قد يأخذ منك الشباب، لكن يمنحك نضجًا لم تكن لتحصله بدونه،
قد ينهك الجسد، لكنه يصقل الروح،
قد يُبطئ خطاك، لكنه يجعل بصيرتك أكثر صفاء.
وحين تتعلم أن تعيش رغم الألم، أن تبتسم رغم الوجع، أن تحب رغم العجز — تكون قد فهمت سرّ الوجود.
فيا أيها المبتلى، لا تكره جسدك، ولا تلعن ضعفك، ولا تنظر إلى ماضيك بحسرة.
انظر إلى نفسك بعين الرحمة، وتذكّر أن الألم ليس ضدك، بل معك، وأن كل لحظة صبرٍ تزرع فيك معنى جديدًا للحياة.
حدّث ربك بصدق، بلا تكلّف ولا خوف، وقل له كما قال الصالحون من قبل: “يا رب، إن كان هذا وجعي طريقًا إليك، فزدني فهمًا وصبرًا، ولا تتركني لليأس.”
في النهاية، لن يكون المرض هو القصة، بل ما فعلته به.
لن يُذكر اسمك لأنك تألمت، بل لأنك تساميت فوق الألم.
لقد قال ابن عطاء الله: “إذا أراد أن يُظهر فضله عليك، خلق فيك النقص.”
وقال الرومي: “حين تتخلى عن كل ما ظننته قوتك، تبدأ قوتك الحقيقية.”
وهكذا، حين تتقبل مرضك لا تموت، بل تولد من جديد،
تولد وعيًا لا يخاف الفناء، وقلبًا يعرف أن كل ما يأتي من الله جميل، وإن جاء في ثوب الألم.
إن المرض، حين يُقبَل، يصبح طريقًا إلى النور،
وحين يُقاوَم، يصير ظلمةً في الداخل.
فاختر النور، واختر أن ترى في الجرح معنى،
لأن الوجع الذي تمرّ به اليوم — هو ذاته الذي سيُعلّمك غدًا كيف تحيا حقًّا.

كوثر العكاري

رسالتي إلى كل مريض 2