Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

حد الحرية

freedom-womanKawther Akkeri  -كوثر العكاري

من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان أن خلقه حراً، وجعل له عقلاً يميز به، وإرادة يختار بها، وضميراً يستشعر الخير والشر. هذه الحرية ليست منحة من بشر يمكن أن تُعطى أو تُسلب، بل هي هبة ربانية أصيلة، جزء من الكرامة الإنسانية التي قال الله عنها: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ . ولأنها من عند الله، فلا يحق لمخلوق – مهما كان سلطانه أو قربه – أن يعتدي عليها أو ينتقص منها، إذ أن الاعتداء عليها هو في حقيقته اعتراض على إرادة الله الذي شاء أن يكون الإنسان كائناً مخيّراً، لا آلة مبرمجة ولا تابعاً مسلوب الإرادة.

وقد قرر القرآن هذه الحقيقة بوضوح، فقال تعالى مخاطباً نبيه ﷺ: ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ، وقال: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ﴾ ، وجاء النص القاطع: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّ﴾ ، لتكون هذه الآيات إعلاناً أن الإيمان لا يقوم على القهر، وأن حرية الضمير أصل لا يصح الدين إلا به. فالإكراه قد يصنع طاعة ظاهرية، لكنه لا يخلق إيماناً حقيقياً في القلب.



وفي التاريخ الإسلامي، جاءت مواقف الخلفاء الراشدين لتجسد هذه القيم، ومن أشهرها موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خاطب عمرو بن العاص وولده في حادثة القبطي قائلاً كلمته الخالدة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟". كانت هذه الكلمة إعلاناً أن الحرية ليست هبة سياسية تُمنح، بل هي حق يولد مع الإنسان، ومن ينزعه فقد ارتكب ظلماً وعدواناً.

إن هذه الحرية تشمل جميع جوانب حياة الإنسان واتجاهاته الفكرية والروحية، ما دام ملتزماً بالوسطية واحترام الآخرين. فكما لا يجوز لأب متدين أن يفرض على ابنه معتقداً أو مذهباً بالقوة، كذلك لا يجوز لأب علماني أو لاديني أن يمنع أبناءه من التدين أو ممارسة شعائرهم إذا اختاروا ذلك بإرادتهم، ما داموا على منهج الاعتدال. وكما لا يحق لزوج أن يصادر عقل زوجته أو يفرض عليها رأياً سياسياً أو توجها فكريا، لا يحق لها أن تفرض عليه قناعاتها أو تمنعه من ممارسة ما يؤمن به. وكذلك الحاكم، لا يجوز له أن يكمم الأفواه أو يصادر حق الناس في التعبير والمشاركة، سواء كانت آراؤهم مؤيدة أو معارضة، محافظة أو إصلاحية.

فالحرية لا تُجزأ ولا تُعطى للبعض وتُحجب عن البعض الآخر، بل هي مبدأ شامل: حرية في المعتقد، وحرية في الفكر، وحرية في الاختيار، ما دام ذلك لا يعتدي على حقوق الآخرين ولا يخل بأمن المجتمع. وهي في حقيقتها أمانة ومسؤولية، وشرط لصدق الإيمان ونبل الأخلاق، وليست فوضى بلا ضوابط. لكن مهما كانت ضوابطها، فإن أصلها ثابت لا يتغير، لأنها من صنع الله لا من صنع البشر. ومن فهم أن الحرية عطية من الخالق، علم أن الدفاع عنها ليس ترفاً فكرياً، بل هو دفاع عن مشيئة الله في خلقه، وصون للكرامة التي فطرهم عليها، ووفاء للعهد الذي أخذه عليهم يوم حملهم الأمانة.

كوثر العكاري

حد الحرية