Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

تغلط باش يغفرلك

meditation-seuleKawther Akkeri  - كوثر العكاري

إن فكرة الحق في الخطأ تمثل حجر الزاوية في التربية الحديثة، وفي الفلسفة، وفي الإدارة المعاصرة، بل تمتد جذورها عميقًا في تراث الأديان الكبرى، ولا سيما في الفقه الإسلامي.
فالإنسان بطبيعته كائن ناقص، يتعلم من أخطائه، ويطوّر خبراته عبر التجربة. الاعتراف بهذا الحق ليس مجرد تساهل مع الخطأ، بل هو اعتراف عميق بالكرامة الإنسانية، وبقدرة الإنسان على النمو.

يرى علماء التربية أن الخطأ ليس نقيض التعلم، بل شرطه. فالطفل لا يكتسب المعرفة جاهزة، بل يبنيها خطوة خطوة، عبر المحاولة، التقدير، الخطأ، والتصحيح.
عالم النفس والتربية الشهير جان بياجيه (Jean Piaget) أكد أن التعلم الأصيل عملية بنائية: المتعلم ينظم معارفه عبر التفاعل مع بيئته، ويُعيد تنظيمها عندما يكتشف خطأه. بدون هذا الحق في التجريب والخطأ، يصبح التعلم مجرد تلقين سطحي. 
كما يرى التربوي جان بيير أستولفي أن الخطأ ليس مجرد عثرة، بل أداة تعليمية تشخيصية، تساعد المعلم والمتعلم معًا على فهم الفجوات في التفكير. وقد لخّص ذلك بقوله:
«L’erreur est un outil pour enseigner» (الخطأ أداة للتعليم)

أما في الإدارة الحديثة، فقد صار الحق في الخطأ مبدأ تنظيميًا مهمًا. المفهوم المعروف باسم "Psychological Safety" أو «السلامة النفسية» يعني توفير بيئة يشعر فيها الأفراد بالأمان للاعتراف بأخطائهم، وطرح أفكار جديدة، دون خوف من اللوم أو العقاب.
الأستاذة إيمي إدموندسون (Amy Edmondson) من جامعة هارفارد أوضحت أن الفرق عالية الأداء ليست تلك التي لا ترتكب أخطاء، بل تلك التي تعترف بها وتتعلم منها بشكل جماعي.

في التدريب الشخصي
، يُشجَّع المتدرب على المخاطرة وتجريب طرق جديدة، مع قبول فكرة أن الفشل قد يكون مرحلة ضرورية للنجاح. وكما يقول المدرب الشهير جون ماكسويل (John C. Maxwell):
"Fail early, fail often, but always fail forward."

و في الفلسفة، يعتبر الحق في الخطأ شرطًا للحرية والمسؤولية. الفيلسوف بول ريكور (Paul Ricoeur) يؤكد أن الإنسان كائن حر مسؤول، وهذه المسؤولية لا معنى لها دون إمكانية الوقوع في الخطأ. لو لم يكن الخطأ ممكنًا، لما كانت الحرية ممكنة.

الفيلسوف التربوي جون ديوي (John Dewey) أيضًا شدد على أن التعلم عملية تجريبية، وأن التجربة بطبيعتها قد تؤدي إلى نتائج غير صحيحة في البداية، لكن هذه الأخطاء هي المادة الخام للفهم الأعمق.

في الإسلام، الاعتراف بالنقص البشري والحق في الخطأ أصل راسخ. جاء في الحديث النبوي الشريف:
كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون..

هذا الحديث لا ينفي الخطأ عن الإنسان، بل يجعله سمة عامة، ويحوّل المعيار الأخلاقي من "عدم الخطأ" إلى "التوبة والتعلم".
وجاء أيضًا في الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه:
«والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم.»

هذا الحديث القدسي يُظهر أن الخطأ والذنب جزء من طبيعة البشرية، وأن الله يحب من يخطئ ثم يستغفر، فيغفر له، مما يجعل التوبة نفسها مقصودة في حكمة الخلق.
كما أرست القواعد الفقهية مبدأ العفو عن الخطأ في غير العمد:
«الخطأ والنسيان والإكراه مرفوع عن الأمة.»
أي أن الشريعة ترفع الإثم والحرج عمّن أخطأ بغير قصد.

بل جعل الإسلام الستر على المخطئ فضيلة عظيمة:
«من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة.

إن الاعتراف بالحق في الخطأ وتقبل النقص البشري هو شرط ضروري للتعلم، وللإبداع، وللحياة المشتركة الرحيمة.
في التربية، هو أساس بناء الفهم العميق.
في الإدارة، هو شرط الابتكار.
في الفلسفة، هو ضمان الحرية.
وفي الدين، هو مظهر للرحمة الإلهية، ودعوة للتوبة والستر.
إن مجتمعًا يعترف بالحق في الخطأ هو مجتمع يتيح لأفراده النمو، ويمنحهم الثقة، ويغرس فيهم المسؤولية الحقيقية.

كوثر العكاري

تغلط باش يغفرلك