Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
الزواج
Kawther Akkeri - كوثر العكاريالزواج في نظر العارفين بالله ليس عقدًا بشريًا ولا نظامًا اجتماعيًا فحسب، بل هو سرٌّ من أسرار الوجود، ومظهرٌ من مظاهر الحبّ الإلهي الذي به قام الكون وتجلّى فيه الجمال. ففي نظرهم، حين قال الله تعالى: «ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون»، لم يكن الخطاب مقصورًا على الذكر والأنثى، بل على قانونٍ كونيٍّ يسري في الوجود كلّه، إذ لا اكتمال لشيء إلا بقرينه، ولا ظهور لنور إلا من توازن الظلّ معه. وهكذا خلق الله الإنسان على مثال الازدواج، ليعرف نفسه في الآخر، وليتجلى الحبّ في هيئة التقاءٍ بين روحين.
يرى الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي أن الزواج تجلٍّ من تجليات المحبة الإلهية في العالم، وأنّ الله حين أحبّ أن يُعرف، أظهر حبَّه في الخلق، وجعل فيهم ميلًا فطريًا نحو الائتلاف. ومن هنا، فكلّ حبٍّ صادقٍ إنما يطلب في باطنه وجهَ الله، وإن ظنّ صاحبه أنه يطلب وجهَ إنسان. فيقول ابن عربي في الفتوحات المكية: “إنّ الله خلق المرأة من الرجل ليعرف الرجل نفسه في غيره”، أي ليكتشف الإنسانُ ذاته في مرايا الوجود من حوله، وليدرك أن الحبّ هو الوسيلة التي بها يرى وجهَ خالقه في صور خلقه.
المرأة في فكر ابن عربي ليست كائنًا ناقصًا، بل هي تجلٍّ للجمال الإلهي، كما أن الرجل تجلٌّ للجلال. وحين يجتمعان في ميثاق الزواج، يجتمع الجمال والجلال في صورة إنسانية واحدة، فيتجلّى بهما معنى الرحمة الإلهية التي بها يحيا كل شيء. ومن أحبّ زوجه في الله فقد أحبّ الله في زوجه، لأن المحبة الصادقة ليست سوى إشعاعٍ من النور الأزلي. ولهذا كان الزواج عند ابن عربي طريقًا إلى معرفة الله، ومجالًا لتجربةٍ روحيةٍ سامية يتهذّب فيها القلب ويتطهّر السرّ من علائق الأنانية.
أما الإمام الغزالي فيرى في الزواج مدرسةً أخلاقية وسلوكًا روحانيًا. ففي إحياء علوم الدين يصفه بأنه رياضة للنفس وتزكية للخلق، إذ يتعلم المرء فيه الصبر، والحلم، والرحمة، والعطاء. ويقول: “من لم يتزوّج، فاتته رياضة عظيمة، لأنّ مدار الأخلاق على الصبر، ولا صبر إلا في العشرة.” فالزواج عنده ليس متعة دنيوية بل وسيلة لمعرفة النفس وإصلاحها، وبيت الزوجية زاوية مجاهدةٍ صامتةٍ يتربّى فيها القلب على الرفق والتواضع، ويُختبر فيها صدق النية ونقاء المحبة.
وأما السهروردي فيرى في الزواج التقاء نورين يُكمّل أحدهما الآخر، فالرجل نور في مقام الفاعلية، والمرأة نور في مقام القبول، وحين يلتقيان، يكتمل الإشراق. وجلال الدين الرومي يعبّر عن هذا اللقاء بلغة العشق حين يقول: “الحبّ ليس أن تنظر في وجه الحبيب، بل أن تنظر معه إلى الله في الاتجاه ذاته.” فالحبّ الصادق عند الرومي طريق إلى الله، والزواج في جوهره اتحادٌ بين روحين تسيران معًا في طريق النور، لا امتلاك جسدٍ لجسد، بل تعانق روحٍ بروح.
ويرى ابن عطاء الله السكندري أن الزواج ميثاقٌ روحيٌّ عُلويٌّ قبل أن يكون عقدًا دنيويًا، فالمحبة الصافية لا تُقاس بالزمن بل بالنية. ومن أحبّ لله بقي، ومن أحبّ لنفسه فني. ولهذا قال تعالى: «وجعل بينكم مودة ورحمة»، والمودة عند أهل العرفان هي حبٌّ بالفعل، والرحمة ظلٌّ من الرحمة الإلهية التي تحفظ ذلك الحب من الفناء. فالزواج في جوهره عهدٌ على الأمانة، أن يحبّ الإنسان الآخر كما يحبّ الله خلقه: بلا شرط، بلا مصلحة، وبصدقٍ يورث الطمأنينة.
في فلسفة العارفين بالله، الزواج ليس لقاءً بين اثنين بل استمرارٌ لفعل الخلق الأول، حين تلاقى الوجود والعدم فانبثق النور. وكلّ زواجٍ حقيقيٍّ هو تكرار رمزي لذلك الفعل الإلهي العظيم، وفيه يُشارك الإنسان خالقه في فعل الخلق لا بالقدرة، بل بالمحبة. فمن عرف معنى الزواج عرف سرّ الربوبية في المربوب، كما يقول ابن عربي، لأن الحبّ الذي يجمع بين رجلٍ وامرأةٍ في طاعة الله إنما هو صورة مصغّرة عن الحبّ الذي يجمع الخالق بمخلوقاته.
وهكذا، فإن الزواج عند العارفين بالله هو عبادة في هيئة حبّ، وسلوك في هيئة عشرة، وميثاقٌ يربط الأرض بالسماء. هو الطريق الذي به يتطهّر الإنسان من أنانيته، ويتدرّب على العطاء دون انتظار، ويتعلم أن يرى الله في عيون من يحب. ففي البيت الصادق، تُقام الصلاة بصمت، وتُسبّح الجدران بالرحمة، ويصبح الحبيب مرآة الحبيب، حتى إذا نظر أحدهما إلى الآخر رأى فيه نفسه، ورأى الله من خلال تلك النفس.
فمن تزوّج بنية السموّ، وابتغى وجه الله في زوجه، فقد دخل محراب الحبّ الأكبر، وسلك طريق العارفين دون أن يغادر بيته. فليس الزواج عندهم نهاية المطاف، بل بدايته الحقيقية، لأنه الطريق الذي به يتجلّى الله في الإنسان، ويتوحّد الوجود في معنى واحد: أن المحبة هي سرّ الخلق، وأصل الوجود، وسبيل العودة إلى الله.
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
