Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

التسليم

lost-religionKawther Akkeri  - كوثر العكاري

ما كان موسى يسير مع الخَضِر على الأرض، بل كان يُساق من مقامٍ إلى مقام، ومن علمٍ إلى خلعِ علم. فالشريعة التي كان يحملها موسى نورٌ منضبط، أما الخَضِر فكان ظلّ ذلك النور حين يدخل الغيب. قال له: إنك لن تستطيع معي صبرًا؛ لأن الصبر هنا ليس خُلُقًا، بل فناءُ اعتراض، وسقوطُ طلبِ العلّة، وانمحاءُ «لِمَ» من اللسان والقلب معًا.

فلما خُرقت السفينة، خُرقت معها صورةُ الله في ذهن الإنسان. إذ تعوّد القلب أن يرى الرحمة في العطاء، فإذا بالله يرحم بالمنع، ويحفظ بالإيلام، ويُنقذ بالكسر. لم يكن الخَرق فعلَ إفساد، بل كان سترًا، فالملك لا يرى السفن المعطوبة، كما أن البلاء لا يرى القلوب المتواضعة. هكذا يُنقِصك الحقّ ليُبقيك، ويكسر ظاهرَك ليصون باطنك، ويُعلِّمك أن السلامة ليست في الكمال، بل في الخفاء. 


ثم كان الغلام، وهنا سقط الميزان. لأن العقل لا يحتمل أن يُؤخذ الشيء قبل أن يفسد. لكن الخَضِر كان ينظر بعينٍ لا ترى اللحظة بل المآل. لقد رأى في هذا الغلام طغيانًا لم يولد بعد، وكفرًا لم ينطق، وشقاءً سيجعل الحبّ نفسه أداة عذاب. فكان الموت حياةً لغيره، وكان الفقد صدقةً خفيّة، وكان القتل ـ في هذا المقام ـ منعًا للشر قبل أن يتجسّد. فالحقّ لا يحكم على الكائن بما هو عليه، بل بما سيكونه إذا تُرك لنفسه. ومن لم يشهد هذا، ظنّ القسوة عدلًا ناقصًا، وما علم أن الرحمة قد تلبس هيئة السيف.

وأما الجدار، فهو سرّ الأسرار. فعلٌ بلا أجر، وخيرٌ بلا شكر، وبناءٌ في أرضٍ لا تعترف بالباني. هنا تكلّم الله عن نفسه لا عن عباده. كأنما قال: أنا أحفظ الغيب بالغيب، وأرعى اليتيم بصلاح أبيه، وأمدّ البركة بعد الموت كما أمدّها في الحياة. فالكنز ليس الذهب، بل الوعد. والجدار ليس حجارة، بل أمان. وما بُني هناك لم يُبنَ للقرية، بل للوقت، حتى يبلغ اليتيمان، لأن لله مواعيد لا تُستعجل.

وحين قال الخَضِر: ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرًا، لم يكن يفسّر الأفعال، بل كان يكشف عن حدّ الإنسان. حدّه في الرؤية، وحدّه في الاحتمال، وحدّه في التسليم. فليس المطلوب أن تفهم، بل أن تثق. وليس المقصود أن ترى الخير، بل أن تؤمن أن ما جرى لم يجرِ إلا بعينٍ لا تنام، وحكمةٍ لا تخطئ، ورحمةٍ لا تتوقف على رضاك.

هكذا يتجلّى القدر: صامتًا، ثقيلًا، كاملًا. من خاصمه كُسِر، ومن سلّم له انفتح. وما كل ما يؤلمك شرّ، ولا كل ما يُفرحك خير. فالخير الخالص عند الله، لا عند إحساسك. ولو كُشف لك الغطاء، لرأيت أن كل ما اعترضتَ عليه كان يحمل اسمك، ويعرف طريقك، ويقودك ـ وإن ببطء ـ إلى ما كُتب لك قبل أن تُخلق.

كوثر العكاري

التسليم