Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
البركــة
Kawther Akkeri - كوثر العكاريكانت البركةُ قبل سيدنا محمد ﷺ فكرةً يؤمن بها الناس دون أن يلمسوها. فلمّا جاء، صارت شيئاً يُرى بالعين ويُحمل في الكفّ ويُشرب مع الماء ويُؤكل مع الطعام.
لم تكن بركتُه ﷺ معجزةً تُعرض ثم تُنسى، بل كانت حقيقةً تسكن كل شيءٍ اقترب منه؛ تسكن في يده حين تمتد، وفي نَفَسه حين يخرج، وفي ماء وضوئه حين يسيل، وفي صمته حين يجلس بين الناس.
كانت حليمة السعدية امرأةً فقيرةً في عامٍ شحيح، خرجت مع المرضعات إلى مكة تبحث عن رضيعٍ يعود عليها بالخير، وكلُّهن أعرضن عن الطفل اليتيم الذي لا أبَ له يُكرم المرضعة. فلمّا أخذته حليمة لا لشيءٍ إلا لأنها لم تجد غيره، ما هو إلا أن أخذته، فأقبل عليه ثدياها بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، وقام زوجها إلى شارفهم فحلب وشرب وشربت حتى رووا، فباتوا بخير ليلة.
لم تكن بركتُه ﷺ معجزةً تُعرض ثم تُنسى، بل كانت حقيقةً تسكن كل شيءٍ اقترب منه؛ تسكن في يده حين تمتد، وفي نَفَسه حين يخرج، وفي ماء وضوئه حين يسيل، وفي صمته حين يجلس بين الناس.
كانت حليمة السعدية امرأةً فقيرةً في عامٍ شحيح، خرجت مع المرضعات إلى مكة تبحث عن رضيعٍ يعود عليها بالخير، وكلُّهن أعرضن عن الطفل اليتيم الذي لا أبَ له يُكرم المرضعة. فلمّا أخذته حليمة لا لشيءٍ إلا لأنها لم تجد غيره، ما هو إلا أن أخذته، فأقبل عليه ثدياها بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب أخوه حتى روي، وقام زوجها إلى شارفهم فحلب وشرب وشربت حتى رووا، فباتوا بخير ليلة.
ناقةٌ كانت جافّة، فجأة حافلة. وثديٌ كان فارغاً، فجأة ممتلئ. لم يتغيّر شيءٌ في تلك الليلة إلا شيءٌ واحد: صار في الحجر طفلٌ مبارك. وما إن عادت حليمة إلى ديارها حتى امتلأ ضرع الماشية باللبن، وجرى الخير في أرضها كما لم يجرِ من قبل.
كأن الأرض كانKت تعرف من حلّ عليها قبل أن تعرف حليمة.
ثم مرّت السنون وجاء يومٌ وقف فيه المسلمون في بدر والرمل الثقيل يعيق خطاهم والعطش ينخر في صدورهم، والمشركون أسبق منهم إلى الماء، والشيطان يوسوس في القلوب الضعيفة. فكان الجواب من السماء، إذ أمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشربوا وتطهّروا، وثبّت الرمل حين أصابه الماء فمشوا عليه إلى النصر.
المطر لم يكن صدفةً مناخية. كان السماء تقول لمن فيه البركة: نحن لا نتأخّر عن الذين يسيرون معك.
وبعد سنوات، وقف ﷺ على منبره والأرض تتشقّق جدباً والناس يستغيثون، فرفع يديه ودعا. ولم ينزل عن منبره حتى رأى أنس بن مالك المطر يتحادر على لحيته ﷺ.
وفي يوم أحد، كان قتادة بن النعمان يقف بوجهه درعاً أمام وجه النبي ﷺ يصرف عنه السهام، حتى جاء سهمٌ أخرج إحدى عينيه من مكانها فسالت على خدّه. فسعى إلى النبي ﷺ يحملها في كفّه. فلمّا رآها رسول الله ﷺ في كفّه دمعت عيناه، ثم دعا له
فردّها ﷺ بيده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى.
عينٌ فارقت وجهها فعادت إليه أحسن مما كانت. كأن يده ﷺ حين لمستها أودعت فيها شيئاً من نورها، فصارت لا تمرض بعد أن مسّها من لا يمرض بنظره أحد.
وفي خيبر، أرسل ﷺ في طلب عليٍّ ليعطيه الراية، فجاؤوا به وعيناه لا تكادان تريان من الرمد. فبصق في عينيه ودعا له، فشفاه الله، واستلم الراية، ثم قاتل حتى فتح الله على يديه. ريقٌ من فمه ﷺ على عينٍ لا ترى، فتفتح تلك العين على النصر.
وسلمة بن الأكوع أصابته ضربةٌ يوم خيبر، فأتى النبي ﷺ فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكاها حتى الساعة. وعبد الله بن عتيك حين انكسرت ساقه، مسحها ﷺ بيده فكأنها لم تُكسر قط. ثلاث نفثات وساقٌ بلمسة واحدة. لا وصفة ولا دواء، بل نَفَسٌ خرج من روحٍ أودع الله فيها ما لا يُوصف.
وكان الصحابة يقتتلون على ماء وضوئه ﷺ، ويمسحون أبدانهم بيده، ويحرصون على ملامسته. لم يفعلوا ذلك جهلاً، بل لأنهم رأوا بأعينهم كيف يتبدّل كل شيءٍ يقترب منه. وكانت أسماء بنت أبي بكر تحتفظ بجبّته بعد وفاته، وكانوا يغسلونها للمرضى يستشفون بها.
ثوبٌ لمسه جسده مرةً واحدة، فبقيت فيه البركة بعد أن غادر الجسدُ الدنيا. كأن البركة لا تموت لأنها ليست من الدنيا أصلاً.
وكان الطعام بين يديه ﷺ لا يعرف القلّة.
جاءه جابر الأنصاري يستعين به على دَين أبيه، فدعا ﷺ، فكالوا للدائنين حتى أوفوهم حقوقهم، وبقي التمر كأنه لم ينقص منه شيء.
وأعطى رجلاً شطر وسق شعير فما زال يأكل منه هو وامرأته وضيفه، حتى أراد أن يكيله ليعرف ما نقص، فما إن كاله حتى زالت منه البركة وأخذ ينقص.
في كل هذه المواقف شيءٌ واحدٌ يتكرّر دون أن يُقال: كل شيءٍ اقترب من محمد ﷺ تذكّر أصله. الماء تذكّر أنه رحمة، والأرض تذكّرت أنها خُلقت للعطاء، والعين تذكّرت أنها خُلقت للنور، والطعام تذكّر أنه خُلق للبركة لا للنقصان.
لم يكن ﷺ مصدر البركة. كان الوعاء الذي اختار الله أن يصبّ فيه رحمته لتوزّعها على الخلق. وكان الناس من حوله يشعرون بذلك قبل أن يفهموه؛ لهذا كانت حليمة تبكي حين تتذكّر تلك الليلة الأولى، ولهذا كان قتادة يلمس عينه المُعادة ويتعجّب، ولهذا كانت أسماء تحتفظ بذلك الثوب كأنها تحتفظ بقطعةٍ من نور.
كانوا جميعاً يعرفون شيئاً واحداً: أنهم عاشوا في زمنٍ مشت فيه رحمة الله على الأرض، ورأوا بعيونهم كيف يتغيّر العالم حين تمسّه يدٌ أحبّها الله.
"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
