Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

أليس الله بكاف عبده

Kawther Akkeri  - walking-lostكوثر العكاري


هناك لحظة لا يبلغها إلا من مرّ على تخوم الانكسار، وذاق طعم العزلة العميقة التي لا تنبع من الوحدة، بل من سقوط المعاني القديمة عن جدران القلب.
لحظة لا يسمع فيها الإنسان صوته، بل يسمع صداه؛ ولا يرى فيها الناس، بل يرى أثرهم… كأطيافٍ مرّت لتدلّ، لا لتبقى.
في تلك اللحظة، يبدأ القلب في إدراكٍ لا يتأتّى لمن تزدحم حياته بالمساند الموهومة:
يدرك أنّ الظهر لا يقيمه مَن يقف خلفه، بل مَن ينهض به من داخله.
وأن الحقيقة كانت دائمًا قربه، لكنه كان مشغولًا بزخارف الطمأنينة الضحلة، يطلب الأمان فيما يتكسر، ويستند إلى ما ينهار، ويبحث عن السكون في بحارٍ مضطربة.
حين تنطفئ أسماء البشر من على جدار الاعتماد، لا يعود القلب بحاجةٍ إلى أن يختبر خذلانهم؛ يكفيه أن يرى حقيقتهم: 

أنهم ممرّات، لا مقامات.
وأدوار، لا أوتاد.
وأن الله وحده هو الذي لا يتبدّل دوره، ولا يُستبدل حضوره.
هنا، يبدأ السند الإلهي بأن يتجلّى لا كقوة خارجة عنك، بل كطبقةٍ من الطمأنينة تُقام في أعماقك، كأنّ الله حين يمنحك عونه، لا يمدّ يدًا، بل يسكب نورًا.
نورًا لا يدفع الألم بعيدًا، بل يجعلك قادرًا على حمله دون أن ينكسر فيك شيء.
نورًا لا يمنع الأسى، بل يُمسك قلبك من السقوط في ظلمته.
ومع كلّ تجلٍّ من هذا النور، يتقلّص حضور الخوف:
الخوف من الغياب،
الخوف من التخلّي،
الخوف من أن تُترك لضعفك.
فتعلم أن الله لا يتركك لضعفك، بل يخلق لك من ضعفك طريقًا إلى قوّته.
ثم تكتشف أن التوكل ليس اعتمادًا على الله في ما سيحدث، بل انكشافًا على أن كلّ ما حدث، وما يحدث، وما سيحدث… قائمٌ به، لا بك.
فتسير في الطريق، لا مطمئنًا إلى ما يأتي، بل مطمئنًا إلى من يأتي منه.
وهذا هو معنى السند الحق:
أن تثق بالمجهول لأنك تعرف مُدبِّرَه،
لا لأنك تعرف تفاصيله.
والقلب الذي يصل هذا المقام 
لا يعود يخشى أن يرحل الناس،
ولا أن يتبدلوا،
ولا أن يضيقوا،
ولا أن ينسوا؛
فهو يعلم أن الله لا يرحل،
ولا يتبدل،
ولا يضيق،
ولا ينسى.

كوثر العكاري

أليس الله بكاف عبده