Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
Kawther Akkeri - كوثر العكاريفي نَسَقٍ قرآنيٍّ بديع، تتجاور الآيات في سورة الغاشية كسلّمٍ
يرتقي بالإنسان من الأرض إلى السماء، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن الرؤية إلى البصيرة، فإذا قال الحقّ سبحانه: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ لم يكن هذا سؤالًا عن شكلٍ جامد، بل استدعاءً للتفكّر في سرّ الثبات، ومعنى الاستقرار، وحكمة الإرساء في بنية هذا الكوكب. فالجبال في الوعي القرآني ليست مجرد كتلٍ صخرية شاهقة، بل علامات كونية ذات وظيفة، ورسائل صامتة تخاطب العقل والقلب معًا.
إن لفظ «نُصِبَت» في العربية يحمل دلالاتٍ عميقة: الرفع مع التثبيت، والإقامة على أساسٍ راسخ، كما يُنصَبُ العمود ليحمل السقف، أو الراية لتبقى قائمة لا تميل. وهذا المعنى اللغوي يفتح بابًا واسعًا للتأمل العلمي؛ فالجيولوجيا الحديثة تُبيّن أن الجبال لا تقف على سطح الأرض وقوفًا سطحيًا، بل تمتلك جذورًا عميقة تمتد في القشرة الأرضية، أعمق بكثير من الجزء الظاهر منها، فيما يُعرف علميًا بمبدأ التوازن القشري (Isostasy)، حيث تعمل الجبال كأجسامٍ مغروسة في باطن الأرض، تحفظ التوازن بين القشرة والوشاح، كما تحفظ الأوتاد الخيمة من الانهيار. وهذا المعنى يتلاقى بوضوح مع قوله تعالى في موضعٍ آخر: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7]، في تشبيهٍ بالغ الدقة سبق الاكتشاف العلمي بقرون طويلة .
يرتقي بالإنسان من الأرض إلى السماء، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن الرؤية إلى البصيرة، فإذا قال الحقّ سبحانه: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ لم يكن هذا سؤالًا عن شكلٍ جامد، بل استدعاءً للتفكّر في سرّ الثبات، ومعنى الاستقرار، وحكمة الإرساء في بنية هذا الكوكب. فالجبال في الوعي القرآني ليست مجرد كتلٍ صخرية شاهقة، بل علامات كونية ذات وظيفة، ورسائل صامتة تخاطب العقل والقلب معًا.
إن لفظ «نُصِبَت» في العربية يحمل دلالاتٍ عميقة: الرفع مع التثبيت، والإقامة على أساسٍ راسخ، كما يُنصَبُ العمود ليحمل السقف، أو الراية لتبقى قائمة لا تميل. وهذا المعنى اللغوي يفتح بابًا واسعًا للتأمل العلمي؛ فالجيولوجيا الحديثة تُبيّن أن الجبال لا تقف على سطح الأرض وقوفًا سطحيًا، بل تمتلك جذورًا عميقة تمتد في القشرة الأرضية، أعمق بكثير من الجزء الظاهر منها، فيما يُعرف علميًا بمبدأ التوازن القشري (Isostasy)، حيث تعمل الجبال كأجسامٍ مغروسة في باطن الأرض، تحفظ التوازن بين القشرة والوشاح، كما تحفظ الأوتاد الخيمة من الانهيار. وهذا المعنى يتلاقى بوضوح مع قوله تعالى في موضعٍ آخر: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7]، في تشبيهٍ بالغ الدقة سبق الاكتشاف العلمي بقرون طويلة .
وتؤكد الدراسات الجيولوجية أن معظم الجبال تكوّنت نتيجة تصادم الصفائح التكتونية، حيث تتعرض القشرة الأرضية لضغوطٍ هائلة فتلتوي وترتفع، بينما يغوص جزءٌ كبير منها إلى الأسفل، مشكّلًا ما يشبه الجذر العميق. هذه العملية لا تُنتج جمالًا بصريًا فحسب، بل تسهم في تقليل الاضطرابات الأرضية نسبيًا، وتنظيم توزيع الكتل، والمشاركة في استقرار القشرة، وهو ما ينسجم مع قول الله تعالى: ﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان: 10]، أي لئلا تميل أو تضطرب .
غير أن الإعجاز هنا لا يقف عند حدود العلم الطبيعي، بل يمتد إلى أفقٍ فلسفيٍّ وصوفيٍّ عميق. فالجبال في بعدها الرمزي تمثل الثبات في عالم التغيّر، والرسوخ في بحر التحولات. إنها تذكيرٌ للإنسان بأن الوجود لا يقوم على الحركة وحدها، بل على التوازن بين الحركة والسكون. وكما ثُبِّتت الأرض بالجبال، يُطلب من الإنسان أن يُثبّت روحه باليقين، وعقله بالحكمة، وقلبه بالذكر. ولهذا كثيرًا ما اقترنت الجبال في القرآن بالخشوع، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]، في إشارةٍ إلى أن أعظم مظاهر الصلابة تخضع لجلال الحقّ .
ومن منظورٍ صوفيّ، تصبح الجبال مرايا للمعنى الباطن: ظاهرها صلابة، وباطنها امتدادٌ خفيٌّ في الأعماق؛ ظاهرها ارتفاع، وباطنها تواضعٌ مغروس في الأرض. وكأن الآية تقول للإنسان: لا تنظر إلى الأشياء بسطحها، بل تأمل جذورها، فهناك يكمن السرّ. فالجبال تُعلّم السالك أن الرسوخ الحقيقي لا يكون في الظهور، بل في العمق، ولا في العلوّ وحده، بل في الاتصال بالأصل.
وهكذا، حين يجمع الإنسان بين الآيات: ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾، و**﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾، و﴿وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾**، يدرك أن القرآن لا يقدّم وصفًا شعريًا للطبيعة فحسب، بل يبني رؤية كونية متكاملة، تتقاطع فيها اللغة، والعلم، والفلسفة، والروح. رؤية تقول إن هذا الكون قائم على ميزانٍ دقيق، وإن الجبال – في صمتها المهيب – تشهد على أن الخلق ليس عبثًا، وأن وراء هذا النظام حكمةً عليا تُدعى إلى معرفتها لا بالاكتفاء بالنظر، بل بالتدبّر العميق.
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
