Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

رفع السماء

meditation-ramadan-natureKawther Akkeri  - كوثر العكاري

في اكتمال المشهد الكوني الذي ترسمه سورة الغاشية، وبعد التأمل في الإبل والجبال والأرض، يرفع القرآن بصر الإنسان فجأة إلى الأعلى، إلى الأفق الأبعد، قائلاً:
﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: 18].
وهنا يبلغ الخطاب ذروته؛ إذ لم يعد الحديث عن ما تحت الأقدام أو ما يجاور الإنسان، بل عن الفضاء الواسع الذي يعلو كل شيء، وعن النظام الخفي الذي يمنع السماء من أن تنهار، والكواكب من أن تتساقط، والكون من أن يغرق في الفوضى.
لفظة «رُفِعَت» في اللغة العربية لا تعني مجرد الارتفاع المكاني، بل تحمل معنى الإمساك دون عمد، والتعليق بلا سندٍ منظور. وهذا المعنى يتناغم بعمق مع آية أخرى أكثر تصريحًا:
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: 2].
فالسماء مرفوعة، لا تستند إلى أعمدة مادية، ولا تسقط على الأرض، وكأن القرآن يلفت الانتباه إلى قوانين غير مرئية تحفظ هذا البناء الهائل في اتساقه. 


ومن منظور علم الفيزياء الحديث، يتجلّى هذا المعنى بوضوح في قانون الجاذبية الكونية الذي صاغه إسحاق نيوتن، ثم أعاد ألبرت أينشتاين تفسيره بعمقٍ أكبر في نظريته النسبية العامة. فالجاذبية ليست مجرد قوة تشدّ الأشياء إلى الأرض، بل هي القانون الذي يمسك الأجرام السماوية في أماكنها، ويمنعها من السقوط أو التصادم.

الأرض لا تسقط في الشمس، ولا ينهار القمر على الأرض، ولا تتصادم الكواكب، لأن كل جرم سماوي يخضع لتوازنٍ دقيق بين قوة الجذب والسرعة المدارية. هذا التوازن يجعل الأجرام تجري في أفلاكها، كما وصفها القرآن بدقة مذهلة:
﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40].

فيزيائيًا، يمكن تشبيه الأمر بحجرٍ مربوطٍ بخيط يُدار حول اليد؛ فالحجر لا يسقط لأنه يتحرك بسرعة، ولا يهرب لأنه مشدود بالخيط. لكن في الكون، لا وجود لخيطٍ مادي، بل هناك جاذبية غير مرئية تقوم مقام “العمد” التي لا تُرى. وهذا ما يجعل وصف القرآن سابقًا للغة العلم، حين أشار إلى الرفع بلا عمد مرئية.

أما على مستوى حركة الكواكب، فتؤكد الدراسات الفلكية أن مداراتها ليست عشوائية، بل محكومة بقوانين صارمة تحكم المسافات والسرعات والزوايا. فكل كوكب يتحرك في مسارٍ بيضوي محسوب بدقة، وأي اختلال طفيف في هذا التوازن كان كفيلًا بأن يؤدي إلى تصادمات كونية أو سقوط الأجرام في نجومها. ومع ذلك، يستمر هذا النظام منذ مليارات السنين في انتظامٍ مهيب، وكأن الكون كلّه يؤدي صلاة حركة لا تنقطع.

وهنا يتجاوز التأمل حدود الفيزياء ليبلغ أفقًا فلسفيًا عميقًا: كيف يمكن لهذا الكون الهائل، الممتد بلا حدود، أن يبقى قائمًا دون فوضى؟ إن الإجابة لا تكمن في الصدفة، بل في النظام. فالسماء مرفوعة لأن القوانين التي تحكمها ثابتة، دقيقة، لا تحابي جرمًا على حساب آخر. وهذا ما يجعل بعض الفلاسفة المعاصرين يرون في قوانين الكون لغة عقل كوني سابق على المادة.
أما في الرؤية الصوفية، فإن السماء المرفوعة ترمز إلى علوّ المعنى وثبات الحق. فهي لا تسقط رغم اتساعها، كما أن الحقيقة لا تنهار رغم تعاقب الأزمنة. والإنسان حين يرفع بصره إلى السماء، يتعلّم درسًا باطنيًا: كما أن الكواكب لا تستغني عن الجاذبية كي لا تضلّ، فإن القلوب لا تستغني عن مركزٍ روحيٍّ يشدّها كي لا تتوه. فكما تمسك الجاذبية الأجرام، يمسك الذكر والإيمان الروح في مدارها الصحيح.

وهكذا، حين يقول الله تعالى: ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾، فهو لا يدعو إلى تأمل مشهدٍ جميل فحسب، بل إلى التفكّر في أعظم نظام عرفه الإنسان: نظامٍ تُرفع فيه السماء بلا عمد، وتجري فيه الكواكب بلا تصادم، ويُحفظ فيه الكون كله بقانونٍ واحد، لا يُرى، لكن آثاره تملأ الوجود. ومن أدرك ذلك، أدرك أن هذا الرفع ليس مجرد ظاهرة كونية، بل آية على حكمةٍ تمسك الوجود كله من أن يسقط في العدم.

كوثر العكاري

رفع السماء