Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
يفرون من الشر
Kawther Akkeri - كوثر العكاريفي ميزان القيم، لا يُقاس الإنسان بعدد من يحيطون به، بل بنوعية العلاقة التي تربطه بهم. أخطر موقع يمكن أن يحتله المرء في المجتمع ليس موقع العداوة الصريحة، بل موقع الهيبة القسرية؛ حين يختار الناس الصمت تجنبًا لشره، لا تقديرًا لفضله.
ذلك النوع من البشر لا يُترك لأنه حكيم، بل لأن المواجهة معه مرهقة. يُجامل لا لأنه كريم، بل لأنه مسيطر. يُحترم لا لأنه عادل، بل لأن الناس تعلّموا أن السلامة في الابتعاد عنه. هنا تتحول العلاقات الإنسانية إلى شبكة من الحسابات الباردة، ويغيب المعنى الأخلاقي لصالح منطق الخوف.
في البيت، قد يُطاع الأب لأن صوته أعلى من الحوار، لا لأن حكمته أقرب إلى القلوب. وفي الزواج، قد تصمت الزوجة لا اقتناعًا، بل اتقاءً لقسوة لا تُحتمل. أما الأبناء، فيكبرون وهم يخلطون بين الطاعة والرهبة، وبين الاحترام والاستسلام.
ويمتد هذا النمط إلى الحيّ والعمل والمجتمع الأوسع. جارٌ لا يُنصح لأنه حادّ، وزميل يُترك لأنه مؤذٍ، ومدير يُسمع له لأنه قادر على العقاب. هكذا تُدار العلاقات لا بالأخلاق، بل بتوازنات القوة.
الفلسفة الأخلاقية تفرّق بوضوح بين النفوذ القائم على الخوف والمكانة الناتجة عن الفضيلة. فالأول هشّ، ينهار بزوال السلطة، أما الثاني فيبقى حتى بعد الغياب. وكما يوضح أبو حامد الغزالي، فإن الهيبة إن لم تُبنَ على العدل، تحولت إلى طغيان مستتر، وإن بُنيت على الخوف، أفسدت القلوب قبل أن تضبط السلوك.
ليس كل من يُهاب محبوبًا، وليس كل من يُخشى قويًا. فالقوة الحقيقية لا تحتاج إلى رفع الصوت، والاحترام الصادق لا يُنتزع، بل يُمنح. والمفارقة أن الإنسان الذي يظن أن الناس يجلّونه، قد لا يكون في الحقيقة إلا شخصًا يتجنبونه.
وفي الخلاصة، كل سلوك إنساني يخلو من الحب، ويقوم فقط على اتقاء الأذى، هو مرآة تعكس خللًا في النفس قبل أن يكون خللًا في المجتمع. فالناس لا يبتعدون عن الخير، وإنما يفرّون
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
