Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
و من يتوكل على الله فهو حسبه
Kawther Akkeri - كوثر العكاريكانت السماء ملبّدة بالخوف، والأرض تضيق بما رحبت. والريح تعصف بالقلوب قبل الأجساد، كأنها تُنذر بولادة قدرٍ جديد. هناك، في بيتٍ خافت الضوء، كانت امرأةٌ صالحةٌ من بني إسرائيل تضمّ صغيرها إلى صدرها، تخبئه بين أضلاعها كما يُخبّأ الدعاء في جوف الليل.
لكنّ الله أراد أن يُعلّمها كيف يُسلَّمُ القلب إليه عارياً من الحيلة، مفعماً باليقين.
{وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}
(القصص: 7)
يا لجلال هذا الأمر الإلهيّ!
أَيُقالُ لأمٍّ خائفةٍ على وليدها أن تلقيه بيديها إلى الماء؟
لكنّها ما رأت اليمّ بحراً، بل رأته كفَّ رحمةٍ ممتدة من الغيب.
وما سمعت الأمر صوتاً، بل سمعته يقيناً ينبض في قلبها: "ولا تخافي ولا تحزني".
فألقته، لا عن يأس، بل عن كمال التوكل؛ ألقت نفسها معه، وأودعت الله كليهما.
ذلك الإلقاء لم يكن حركة يدٍ فحسب، بل سجدة قلبٍ في محراب التسليم.
لحظةٌ تتجلى فيها المعرفة الإلهية في أبهى صورها: أن تُلقي ما تحب بين يدي من خلق الحبّ.
أن تثق أن الغرق لا يصيب من أحاطته عناية الله.
ولعلّ اليمَّ لم يكن ماءً، بل رمزُ الحياة كلها؛
نُلقي فيها أبناءنا، أحلامنا، قلوبنا، ولا نملك لهم إلا دعاءً يُبحرُ نحو المرسى المقدر.
وما يضيع شيءٌ أُلقي على اسم الله.
ثم عاد إليها الوعد الحق، كما وعد ربها:
{فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ}
(القصص: 13)
فما غاب موسى عنها، إنما غابت هي في امتحان الرضا.
وما خافت عليه من الغرق، بل خافت أن يغرق قلبها في التعلق.
فأنقذها الله من نفسها قبل أن يُنقذ ابنها من الماء.
أم موسى، يا سرّ التوكل المكنون،
يا من علّمتنا أن الإيمان ليس أن ترى النجاة، بل أن تُسلِّم لمن يملك النجاة.
أن الثقة بالله لا تُطلب بعد المعجزات، بل تسبقها.
أن القلب إذا سكنه الله، سكنت فيه الدنيا بما فيها.
{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}
(الطلاق: 3)
هكذا تتجلى الحكاية في ضوء التصوف:
ليس في الماء غرق، ولا في الفقد ضياع،
إنما في كل إلقاءٍ سرّ لقاء،
وفي كل فراقٍ وعدُ رجوع،
وفي كل خيفةٍ رسالةُ طمأنينةٍ من الغيب:
"ولا تخافي ولا تحزني".
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
