Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

قاوم بأي طريقة لا تستريح.‎

palestine-refugeesKawther Akkeri  -كوثر العكاري

في تاريخ الإنسان، تتكرر الحكاية ذاتها وإن اختلفت الأسماء

والوجوه؛ حكاية الفئة القليلة التي تقف في وجه الجبروت، مؤمنةً بأن النصر ليس دائمًا في الغلبة المادية، بل في ثبات الموقف وصون الكرامة. هذه هي فلسفة المقاومة التي تحمل في جوهرها معنى الوجود الإنساني نفسه، إذ لا تُقاس القوة بعدد السيوف أو الصواريخ، بل بقدرة الإنسان على أن يقول "لا" حين يُراد له أن يصمت، وعلى أن يواجه الموت رافعًا رأسه حين يُطلب منه أن يحيا ذليلًا.

إنّ القرآن الكريم قد رسم معالم هذه الفلسفة الخالدة حين قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ ۗ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 249). جاءت هذه الآية في سياق قصة طالوت وجالوت، لتؤكد أن ميزان النصر لا يُقاس بعدد الجنود، بل بصفاء الإيمان وقوة العزيمة. فالإيمان حين يسكن القلب يخلق من الضعف قوة، ومن القلة كثرة، ومن الخوف شجاعة. وفي ذلك قال الله تعالى أيضًا: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139)، تأكيدًا على أن الانكسار الحقيقي هو انكسار الروح لا الجسد، وأن العلو لا يتحقق بالسيطرة على الأرض، بل بالثبات على الحقّ.


من هذا المعنى العميق ولدت كل حركات المقاومة عبر التاريخ، من مقاومة الأنبياء للباطل، إلى ثورة الحسين بن عليّ في كربلاء، حين وقف في وجه الظلم وهو يعلم أن مصيره الشهادة، لكنه أراد أن يزرع في ضمير الأمة مبدأً لا يموت. قال الحسين، رضي الله عنه، وهو يتوجه إلى كربلاء: «إنّي لم أخرج أشِرًا ولا بَطِرًا، ولا مُفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي». لم يكن خروجه طلبًا لسلطة أو جاه، بل مقاومةً للانحراف والذلّ. كان يعلم أنّ سيفه لن ينتصر على جيوش يزيد، لكنه أراد أن ينتصر على الخوف، وأن يُقيم الحجة على التاريخ. وهكذا، تحوّل استشهاده إلى نصرٍ أخلاقي خالد، تتوارثه الأجيال كمبدأ لا يموت: أن تكون مهزومًا جسدًا ولكن منتصرًا روحًا.

وفي السياق ذاته، يتجلى صمود الشعب الفلسطيني اليوم، ولا سيما في غزة، امتدادًا لهذه الفلسفة ذاتها. فالمقاومة هناك ليست مجرد فعل عسكري، بل هي فعل وجودي وإيماني، عنوانه الدفاع عن الحقّ في وجه الاحتلال. هناك، حيث لا يملك المقاومون سوى إيمانهم، وحيث الموت يطوف بالبيوت، يخرج من بين الركام صوت يقول: إننا نُقاتل لأننا نريد أن نعيش أحرارًا، لا لأننا نريد الموت. وفي كل لحظة يُقصف فيها بيت، ويُستشهد فيها طفل، يزداد المعنى عمقًا: أن الكرامة لا تُقاس بالبقاء، بل بالثبات.

إنّ فلسفة المقاومة في غزة تُذكّرنا بأن القوة ليست أبدًا احتكارًا للمستكبرين، وأن النصر ليس ملكًا لمن يملك السلاح الأحدث، بل لمن يملك الإيمان الأصدق. فالله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّـهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (الحج: 38)، وهذه هي سنة الله في التاريخ؛ أن يبقى الحقّ حيًّا مهما اشتدّ الظلم، وأن يخرج من بين الرماد دوماً من يرفع راية الصمود.

ولئن ظنّ البعض أن المقاومة طريق الخاسرين، فإنّ التاريخ يشهد بأن الأمم التي قاومت رغم اليأس هي التي صنعت الحياة. فغاندي في الهند، ومانديلا في جنوب إفريقيا، وهوشي منه في فيتنام، كلهم واجهوا قوى أعظم منهم بأضعاف، ومع ذلك انتصروا لأنهم آمنوا بالمعنى قبل النتيجة. وكما قال الفيلسوف ألبير كامو: «الإنسان المتمرد لا يقول لا من أجل الرفض، بل لأنه يقول نعم لشيءٍ أعظم من نفسه».
وهكذا، حين نقول "المقاومة"، فنحن لا نتحدث فقط عن حرب أو مواجهة، بل عن فلسفة عميقة ترى أن الإنسان خُلق ليكون حرًّا، وأن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الظلم لا يُقاوَم بالسكوت. فالمقاومة ليست خيارًا بين الحياة والموت، بل بين الحياة بكرامة أو الحياة بذلّ. ومن هنا كانت المقاومة في جوهرها إيمانًا متجددًا بأن لله سننًا لا تتبدل، وأن الحقّ، وإن طال عليه الليل، لا يموت.

إنّ غزة اليوم تكتب بدمها فصلًا جديدًا من هذه الفلسفة الخالدة، تؤكد أن الهزيمة لا تقع حين تُهدم البيوت، بل حين تُهدم الإرادة. وبين أنقاضها يتجسد وعد الله للفئة القليلة: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ﴾، وتُعيد للإنسانية معنى النصر الحقيقي: أن تنتصر على الخوف، أن تبقى واقفًا حين يريد العالم كله أن تركع، وأن تثبت على الحقّ وإن خذلك الجميع.

فالمقاومة، في النهاية، ليست سلاحًا يُطلق النار، بل روحًا تأبى الانكسار. وهي في جوهرها وعدُ الله للذين آمنوا أن النصر، ولو تأخر، قادم لا محالة، لأن الحقّ لا يُقهر وإن غلبه السيف.

كوثر العكاري

قاوم بأي طريقة لا تستريح.‎