Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

رسالتي إلى كل مريض 1

alone-paper-letterKawther Akkeri  - كوثر العكاري

 
يا صاح، ما المرض إلا نداءٌ لطيف من الله،
يناديك من وراء الجسد المنهك، من عمق الخلية التي تصرخ صمتًا،
يقول لك: "قف... لقد أسرعت كثيرًا، نسيت وجهك في زحام الأيام، نسيتني."
في البداية ترفض النداء،
تثور، تبكي، تسأل: "لماذا أنا؟"
لكن الله لا يجيب بالمنطق،
بل يجيب بالتجربة.
فيجعلك تمرّ عبر النار لتكتشف أنك كنت نارًا خامدة في داخلك، 

وفي العجز لتدرك أن القوة لم تكن يومًا في العضلات،
بل في القلب الذي يصبر ويحب رغم الألم.
تظن أن المرض يسلبك الحياة،
لكنه في الحقيقة يهبك حياةً أخرى — حياة الرؤية.
حين تضعف الأعضاء، تتقوّى البصيرة.
حين يتعب الجسد، يصفو المعنى.
حين تسقط، ترى السماء أقرب.
لقد قال الرومي: "الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور."
وما أكثر الجروح التي لا نحبها، وهي التي تهدينا إلى الله!
ذلك لأن الله لا يزور القلوب المزهوّة،
بل يدخل من أبواب الانكسار.
وفي الانكسار، يبدأ النور.
المرض لا يعاقبك، بل يطهّرك من الوهم.
كل ألمٍ يزيل عنك قشرةً من الغرور،
كل وجعٍ يمسح عنك غبار الغفلة.
إنه معلمٌ خفيّ،
يجلس عند عتبة قلبك،
لا يتكلم كثيرًا،
لكن حضوره وحده كافٍ لتتعلم الصبر،
ولتفهم أن كل ما كنت تعدّه خسارة،
كان في الحقيقة طريقًا نحو صفاءٍ لم تكن تعرفه.
يقول ابن عطاء الله: "ربما منعك فأعطاك، وإذا فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء."
هكذا يفعل الله.
يأخذ ليُعطي،
يمنع ليقرّب،
يفرّغك من زوائدك لتراك خفيفًا بين يديه.
المرض في ظاهره ألم، وفي باطنه تربية.
يعلّمك السكون بعد الاضطراب،
والتسليم بعد التمرّد،
والرؤية بعد العمى.
وحين تهدأ روحك من سؤال "لماذا؟"
تسمع الجواب الصامت: "لأنك لي."
وتدرك أن الله لم يكن غائبًا يومًا،
بل كنت أنت البعيد.
وأن المرض لم يأتِ ليؤذيك، بل ليوقظك.
فقد آن لك أن ترى، أن تشعر، أن تكون.
في الطريق الصوفي، المرض ليس نقمةً بل نداءُ حُبّ.
هو نفحةٌ من عنايةٍ ربانيةٍ تُعيدك إلى صدقك الأول.
حين تضعف، تتجرد،
وحين تتجرد، ترى النور الذي حجبه عنك الترف والعافية.
العافية تُنسي، أما الوجع فيذكّر.
العافية تغريك بالدنيا،
أما المرض فيدخلك على الله دخول التائبين.
وقد قالت رابعة العدوية:
"اللهم إن كنت قد حرمتني لذة العافية، فلا تحرمني لذة الرضا."
وهذا هو الفهم الكامل:
أن ترى الرضا أعلى من الشفاء،
وأن الشفاء الحق ليس في الجسد، بل في الوعي،
في أن تعرف من أنت،
ومن هو الذي يربّي روحك بهذا الألم.
يا من أنهكك الوجع وسرق منك شبابك،
اعلم أن الله لم يأخذك من الحياة، بل أخذ الحياة منك لتراك أوضح.
ما ضيّعك المرض، بل صقلك.
ما سرق أحلامك، بل خلّدها فيك بشكلٍ آخر،
أعمق من الإنجاز، وأطهر من المجد.
حين تتقبل وجعك،
لا يعني أنك رضيت بالضعف،
بل أنك رأيت وجه الله في ضعفك.
وما أجمل أن ترى الله من هناك،
من أرض الألم، حيث لا يبقى فيك إلا الصدق.
سيقول لك العالِم: القبول يُخفّف التوتر.
وسيقول لك الصوفي: الرضا يُورث السلام.
وسيقول الله في قلبك: "سلامٌ هي حتى مطلع الفجر."
الفجر الذي يولد فيك بعد كل ليلٍ من الصبر.
حينها ستفهم،
أن الشفاء لا يعني أن يزول المرض،
بل أن يتوقف الصراع.
أن تتصالح مع جسدك كما تتصالح مع قَدَرك.
أن تقول بصدق: “نعم، هذا طريقي، وسأسير فيه بالحب.”
يا صاح، ما المرض إلا باب،
وكل بابٍ يُفتح نحو الله يستحق العبور،
ولو كان مفتاحه وجعًا.
فلا تلعن الجرح،
فهو الذي جعلك تكتشف نورك،
ولا تكره المرض،
فهو الذي أعادك إلى نفسك.
وإن ضاقت بك الدنيا،
تذكّر أن الله يُقيم في أضيق المساحات.
في الشهيق المتعب، في النظرة الصامتة،
في لحظة الصبر التي لم يرها أحد سواك.
الوجع الذي تمرّ به اليوم،
هو ذاته الذي سيعلّمك غدًا كيف تُحب الله بصدق.
وحينها، لن تطلب العافية،
بل ستطلب الرضا،
لأنك عرفت أن القلب إذا رضي،
شفى الجسد وإن بقي مريضًا.

كوثر العكاري

رسالتي إلى كل مريض 1