Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

حجب من نور

confused-thoughtsKawther Akkeri  - كوثر العكاري

ليست المسافةُ بينكَ وبين الله مقاسةً بعدد السجدات التي تركت
أثرها على جبينك، ولا بطول الليالي التي أنفقتها في محراب العبادة، ولا بما يرى الناس على وجهك من نور الاستقامة.

فكثيرٌ من الأرواح حملت أعمالها كمن يحمل حجارةً ثقيلة، فأرهقها الطريقُ قبل أن تبلغ الباب. وكثيرٌ من القلوب التي كسرها الذنبُ حتى صارت غباراً، وجدت في انكسارها جناحيْن طارت بهما إلى حضرة لم تبلغها الطاعةُ المزهوّة بنفسها.

إن أخطر ما يُصيب الروح ليس السقوط، بل ذلك الوقوف المُزهوّ على قمم الطاعة؛ حين يرى الإنسان عمله فيُعجَب، فيتحوّل العملُ من جسرٍ يعبر عليه إلى صنمٍ يعبده. وحين تصير الطاعةُ مرآةً يتأمل فيها الإنسانُ وجهه بدلاً من أن تكون نافذةً يتأمل منها وجه الله، فقد استبدل الوصولَ بالوهم. 


الطاعةُ التي لا تُولد فيك تواضعاً كالتراب تحت الأقدام، قد تصير حجاباً من نورٍ، وهو أكثف الحجب وأصعبها اختراقاً. والمعصيةُ التي تُوقظ في أعماقك ذلك البكاءَ الأول، بكاءَ الطفل الضائع الذي يعرف أنه ضاع، قد تشقّ في صخر القلب نبعاً لم تستطع سنواتُ العبادة الجوفاء أن تُفجّره.

لهذا لا تقرأ الأرواح من ظواهرها؛ فإن لله في خلقه أسراراً تعجز عنها لغة الحكم. كم من إنسان يمشي بين الناس كالمرايا المصقولة، بينما يقف في جوف الليل أمام الله كالزجاج المكسور، تسيل من شقوقه دموعٌ لا يعرفها أحد. وكم من إنسانٍ يراه الناظرون مناراً، بينما يأكل العُجبُ الخفيّ روحه كالنار تأكل الخشب من الداخل دون أن يظهر للعين دخانٌ.

الأرواحُ التي ذاقت معرفةَ الله حقاً لم تكن أكثر الأرواح إعجاباً بنفسها، بل أشدّها ارتعاشاً من نفسها. لقد أدرك العارفون أن النفس كالماء، تجد طريقها من كل شقّ؛ تدخل من باب الطاعة كما تدخل من باب المعصية، وأن الشيطان فنّانٌ بارع قد يزرع بذرة الكِبر في أعمق سجدة، كما يزرع الشهوة في أجرأ خطيئة.

لهذا كان الصالحون يخشون رؤية أعمالهم أكثر مما يخشون قلّتها؛ لأنهم عرفوا أن رؤية النفس سُمٌّ يُفسد ماء العمل. النجاةُ ليست في أن تملأ كفّيك بالطاعات، بل في أن تُمنح قلباً لا يتكئ على ما في كفّيه، ولا يلتفت إلى ما في كفّي غيره باستعلاء.

تأمّل كيف أن بعض الذنوب تُحطّم صاحبها حتى يصير كالقصبة في مهبّ الريح، هشًّا ومنكسراً، فيبكي حتى تغسل دموعه ما لم تستطع الطاعةُ الجافّة أن تغسله. بينما قد يعيش آخر في بهاء الطاعة الظاهرة، وقلبه يتصلّب كالصخر في الخفاء، دون أن يشعر كيف يبتعد عن الله كلما اقترب في صورة عمله.

الله لا يقرأ صفحات الأعمال كما يقرأ الناس، بل يقرأ الحرف الخفيّ خلف كل سطر. قد يكون قلبٌ مكسور، يرتجف خجلاً وخوفاً، أقرب إلى الله من قلبٍ ممتلئ حتى الثمالة برضاه عن نفسه. وقد يكون دمعٌ يسقط في الظلام على ذنبٍ قديم، أنقى عند الله من ابتسامة العارف بنفسه.

لذلك لا تُدِر ظهرك لأحدٍ مهما رأيته غارقاً حتى أذنيه في خطيئته؛ فلعل في أعماقه سرًّا مع الله لو عرفتَه لبكيتَ على ما ظننتَه فيه. ولعل لحظةَ صدقٍ واحدة، لحظةَ أن قال بكل ما فيه "يا ربّ"، قد رفعتْه في الميزان الذي لا تراه العيون أعلى مما رفعتْك سنواتٌ من الاجتهاد الذي يعرفه الناس.

وفي المقابل، لا تنم مطمئنًّا على ما ترى من استقامتك؛ فالقلوب أكثر تقلّباً من السماء في يوم غيم، ولا ثباتَ لروحٍ إلا أن يمسكها الله بيده.

كم من إنسانٍ أغمض عينيه مزهوًّا بما قدّم، فاستيقظ وقلبه حجرٌ لا يعرف البكاء. وكم من إنسانٍ أغمض عينيه وهو يبكي على ما أضاع، فأصبح وقد لفّته الرحمةُ في الليل كما تلفّ الأمُّ طفلها الخائف.

لذلك لا تسأل الله أن يمنحك مكانةً في عيون الناس، ولا أن يريك نفسك في مرآة الكمال، بل اسأله دائماً: قلباً يرتجف حين يُذكَر اسمه، وروحاً تعرف هشاشتها فلا تتعالى، ونفساً كلما سقطت في الوحل عادت إليه لا تحمل إلا جرحها وشوقها.

فإن الطريق إلى الله لم يسلكه الذين ظنّوا أنهم يعرفون طريقه، بل سلكه الذين أدركوا أنهم لا يملكون سوى الحاجة إليه.
والنجاةُ ليست في قوّة أقدامك على الطريق...
بل في أن يأخذ الله بيدك.


كوثر العكاري

حجب من نور