Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149

الإيمان لا يلغي الألم

lost-manKawther Akkeri  - كوثر العكاري

ليس الإيمان مقامًا يخلع عن الإنسان صفته الأولى، ولا معبرًا
سحريًا ينقله من هشاشته إلى صلابةٍ مطلقة. من يتخيل المؤمن كائنًا لا يعرف الانكسار، ولا يزوره الحزن، ولا يلمسه القلق، إنما يتحدث عن صورة متخيلة لا تنتمي إلى التجربة البشرية. فالطمأنينة الدائمة ليست سكنى الآدميين، بل وصفٌ لوجودٍ آخر خُلق من نور، لا من صراع.

الإنسان، مهما سمت روحه، يظل مشدودًا إلى طبيعته: يتعب، يتألم، يتساءل، ويضيق صدره أحيانًا، حتى وهو ممتلئ يقينًا. لم يعرف التاريخ — في أصفى لحظاته — بشرًا عاش بلا ارتجاف داخلي، ولا قلبًا عبر الدنيا دون أن يمر بممرات العتمة. الإيمان لم يكن يومًا وعدًا بإلغاء الألم، بل كان دعوة لفهمه، ومرافقةً له لا هروبًا منه. 


حتى الذين اصطفاهم الله لحمل رسالته، لم يكونوا معزولين عن الوجع. مرّوا بالخوف، وتذوقوا الفقد، وسكنهم الحزن، وبكوا، وضاقت نفوسهم، ثم أكملوا السير. لم يُنقص ذلك من مقامهم، بل كشف عمق إنسانيتهم، وأظهر أن القرب من الله لا يعني الانفصال عن الشعور، وإنما العبور به دون أن يتحول إلى هلاك.

الإيمان لا يحوّل القلب إلى صخر، ولا العقل إلى آلة لا تكل، ولا النفس إلى فضاء معقم من الضعف. هو قوة تُمنح للوقوف بعد السقوط، لا ضمانة بعدم السقوط. هو معنى يجعل الألم قابلًا للاحتمال، لا حدثًا مستحيل الوقوع. فمن آمن لم يُعفَ من الحزن، لكنه لم يعد أسيرًا له، ولم يُحصَّن من القلق، لكنه تعلّم أين يضعه، ولم يُجَنَّب الخوف، لكنه عرف الطريق الذي يسلكه وهو خائف.
وحين يمرض الجسد، لا يكون الإيمان إنكارًا للدواء، بل وعيًا بأن الأخذ بالأسباب جزء من الثقة بالله. وحين تضيق الحياة، لا يكون اليقين تجاهلًا للضيق، بل معرفة بأن السعة ليست في الظروف، وإنما في اليد التي تدبّرها.

الإيمان ليس درعًا يمنع الطعن، بل معنى يمنع الاستسلام. ليس وعدًا بحياة سهلة، بل بصحبةٍ في الحياة الصعبة. أن تمضي مثقلًا، لكنك غير منقطع. أن تتألم، دون أن تفقد الاتجاه. أن تضعف، ثم تنهض، لا لأنك لم تُجرَح، بل لأنك لم تفقد الرجاء.

وهكذا يبقى المؤمن إنسانًا كامل الإنسانية، لا متعاليًا عليها. يعرف أن النفس تُبتلى، وأن القلب قد يخذل، وأن الروح قد تتعب، لكنه لا يفسر ذلك كنهاية الطريق. يرى العتمة، دون أن يعلن هزيمته أمامها، ويواصل السير وهو يعلم أن النور لا يُعطى لمن لم يمشِ نحوه.

في هذا التوازن الدقيق بين الضعف واليقين، بين الألم والمعنى، تتجلى حقيقة الإنسان، ويتجلى جمال الإيمان، وتُفهم الرحلة لا كبحث عن الكمال، بل كسيرٍ صادق نحو الله.

كوثر العكاري

الإيمان لا يلغي الألم