Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
Kawther Akkeri - كوثر العكاريفي السياق القرآني المتدرّج لسورة الغاشية، وبعد أن دعا الحقّ سبحانه إلى التأمل في الإبل والجبال، ينتقل الخطاب إلى مستوى أعمق وأشمل بقوله تعالى:
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]،
وكأنّ الإنسان بعد أن رفع بصره إلى الشاهق الراسخ، يُدعَى الآن أن يُعيد نظره إلى ما تحت قدميه، إلى المسرح الهادئ الذي تجري عليه الحياة، لا ليكتفي بالمشاهدة، بل ليتساءل عن حكمة التهيئة، ومعنى التسطيح، وسرّ هذا الاتساع الرحيم.
لفظة «سُطِحَت» في العربية لا تعني التسطيح الهندسي الجامد، بل تشير إلى التمهيد والتوسعة والتهيئة للاستقرار والمعاش. فالعرب تقول: سُطِحَ المكان، أي جُعل صالحًا للإقامة والسير والزرع. وهذا المعنى يتسق تمامًا مع الرؤية القرآنية الشاملة للأرض بوصفها مهدًا للحياة، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: 53]، أي مهيّأة، مستقرة، صالحة لأن يحتضن سطحها الإنسان والكائنات.
﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 20]،
وكأنّ الإنسان بعد أن رفع بصره إلى الشاهق الراسخ، يُدعَى الآن أن يُعيد نظره إلى ما تحت قدميه، إلى المسرح الهادئ الذي تجري عليه الحياة، لا ليكتفي بالمشاهدة، بل ليتساءل عن حكمة التهيئة، ومعنى التسطيح، وسرّ هذا الاتساع الرحيم.
لفظة «سُطِحَت» في العربية لا تعني التسطيح الهندسي الجامد، بل تشير إلى التمهيد والتوسعة والتهيئة للاستقرار والمعاش. فالعرب تقول: سُطِحَ المكان، أي جُعل صالحًا للإقامة والسير والزرع. وهذا المعنى يتسق تمامًا مع الرؤية القرآنية الشاملة للأرض بوصفها مهدًا للحياة، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: 53]، أي مهيّأة، مستقرة، صالحة لأن يحتضن سطحها الإنسان والكائنات.
ومن منظور العلم الجيولوجي والفيزيائي الحديث، فإن الأرض كوكب كروي في بنيتها الكلية، لكن سطحها المحلي الذي يعيش عليه الإنسان مُسطَّح نسبيًا على المقاييس البشرية، بحيث يسمح بالحركة والبناء والزراعة واستقرار النظم البيئية. وهذا ما يؤكده علماء الجيوديسيا، حيث يوضحون أن انحناء الأرض لا يُدرَك إلا على مسافات شاسعة جدًا، بينما يظهر السطح في النطاق الإنساني ممهّدًا ومتسعًا، وهو شرط أساسي لقيام الحضارات واستمرار الحياة.
ولا يقف معنى التسطيح عند الشكل، بل يمتد إلى الوظيفة؛ فالأرض مكوّنة من طبقاتٍ متوازنة: قشرة صلبة رقيقة نسبيًا، تعلو وشاحًا لدنًا، ثم نواة، وهذا البناء يسمح بتوزيع الكتل، وتشكّل السهول، وتدفّق المياه الجوفية، وظهور التربة الصالحة للزراعة. وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن السهول القارية تشكّل نسبة كبيرة من المناطق المأهولة، وأن هذه المناطق هي الأكثر استقرارًا جيولوجيًا مقارنة بالمناطق الجبلية أو البركانية، وهو ما يجعل التسطيح عامل أمانٍ واستقرارٍ حياتي.
وعند جمع هذه الآية مع ما سبقها من ذكر الجبال، يتجلّى التناسق البديع: جبالٌ راسيات في الأعماق، وأرضٌ مبسوطة على السطح. فالجبال بأوتادها العميقة تحفظ التوازن، والأرض بتسطيحها النسبي تتيح العمران. وكأن القرآن يرسم لوحة كونية متكاملة: تثبيت من الأسفل، وتهيئة من الأعلى، في نظامٍ يخدم الحياة دون أن يشعر الإنسان بثقله وتعقيده.
أما في البعد الفلسفي والصوفي، فإن تسطيح الأرض هو رمزٌ للتواضع والاحتواء. فالأرض لا تعلو، بل تُبسط، لا تنازع السماء، بل تستقبل ما ينزل منها. هي موضع السير والسجود، موطن البداية والنهاية، ومنها خُلق الإنسان وإليها يعود. ولهذا قال أهل الإشارة: الأرض سُطِحت لتعلّم الإنسان أن الطريق إلى العلوّ يمرّ عبر التواضع. فكما بُسطت الأرض رحمةً بالخلق، يُطلب من القلب أن يُبسط رحمةً وسعةً ليحمل المعرفة والإيمان.
وهكذا، حين يتأمل الإنسان قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، لا يرى مجرد وصفٍ طبيعي، بل دعوةً إلى إدراك نعمة التهيئة الشاملة: أرضٌ ليست قاسية فتمنع الحياة، ولا مضطربة فتُفزع الساكن، بل ممهّدة، متوازنة، صامتة في عطائها، شاهدة – لمن تدبّر – على حكمة الخالق الذي جعل من هذا الكوكب مسكنًا صالحًا للروح والجسد معًا.
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
