Notice: Undefined variable: relatedArticlesCount in /home1/datalyz/public_html/tounsia/plugins/content/tags.php on line 149
ابليس
Kawther Akkeri - كوثر العكاريكان إبليسُ عقلًا متوهّجًا بلا قلب،
وفكرةً تمشي على قدمين.
كان يعرف الأسماء،
ويجيد ترتيب البراهين،
ويُحسن زخرفة المعاني
حتى خُيّل للملائكة
أن المعرفة تُقيم في منطقه،
فالتفّوا حوله
كما يلتف السامعون حول ساحر البيان.
سبعون ألف عام
وهو واقف في محراب الفكرة،
يعبد بعقله،
ويتأمّل بنفسه،
وفكرةً تمشي على قدمين.
كان يعرف الأسماء،
ويجيد ترتيب البراهين،
ويُحسن زخرفة المعاني
حتى خُيّل للملائكة
أن المعرفة تُقيم في منطقه،
فالتفّوا حوله
كما يلتف السامعون حول ساحر البيان.
سبعون ألف عام
وهو واقف في محراب الفكرة،
يعبد بعقله،
ويتأمّل بنفسه،
ويزدهي بما يرى في مرآته
من صورة العارف الكامل،
حتى سُمّي — لا بما هو —
بل بما ظنّ أنه هو:
طاووس العابدين.
لكن الله —
الذي لا تنطلي عليه بلاغة،
ولا يخدعه انتظام المفاهيم —
كان يعلم أن هذا الواقف في مقامات الكلام
أجهل خلقه به،
وأن المعرفة التي لا تُثمر خضوعًا
ليست معرفة
بل حجابًا مصقولًا.
فالمعرفة — في ميزان الحق —
لا تُقاس بما يُقال،
بل بما يحدث
حين يتعارض الأمر
مع الطبع،
وحين يُستدعى القلب
لا العقل،
والتسليم
لا الجدل.
وجاء الأمر.
أمرٌ بسيط في صورته،
زلزالي في حقيقته:
اسجد.
فانكشف المستور.
سقطت الأقنعة،
وتبعثرت المحاضرات،
وانهار صرح الفلسفة
عند أول امتحان للطاعة.
لم يرَ إبليس في تلك اللحظة
إلا نفسه،
ولا سمع
إلا صدى كبريائه.
نسي مَن الآمر،
وتعلّق بالمأمور به،
وجادل الأمر
كأنما يقف نِدًّا
لمن لا يُجادَل.
قال:
أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين..
وهكذا —
حين نطق بالأسباب
سقط من مقام المعرفة،
وحين احتجّ بالعقل
انكشف جهله،
لأن العقل إذا لم يسجد
صار وثنًا.
لم تُغنِ عنه فلسفته،
ولا مصطلحاته،
ولا الصورة التي رسمها لنفسه
كسيّد العارفين.
فسقط
لا لأنه عصى فحسب،
بل لأنه ظنّ أن المعرفة
تمنحه حق الاعتراض.
وما إبليس —
إلا صورةٌ متكرّرة.
هو العقل إذا استغنى عن القلب.
وهو الفلسفة إذا انفصلت عن التواضع.
وهو الفكر حين يؤلّه ذاته
ويحتقر ما سواه.
هو التعجرف حين يتزيّا بلباس العلم،
والعنصرية حين تتكلم باسم النقاء،
والإيديولوجيا حين تدّعي الخلاص،
والقوة حين تظن نفسها معيار الحق.
هو كل فكرٍ يقول:
أنا أفهم…
إذن أنا أعلو.
والحقيقة أن الحيوان —
الذي يسير على فطرته —
أقرب إلى الله
من عقلٍ يعرف
ولا يخضع.
كوثر العكاري
Website Design Brisbane
Tags:
